ابراهيم بن عمر البقاعي
133
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
ويسلمون عليه لأن ذلك من تمام الوصلة التي يدور عليها معنى الصلاة فأنتج ذلك قطعا تفسير المراد بيصلون : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أي ادعوا ذلك بألسنتهم صَلُّوا عَلَيْهِ بعدم الغفلة عن المبادرة إلى إظهار شرفه في حين من الأحيان تصديقا لدعواكم ، ولأن الكبير إذا فعل شيئا بادر كل محب له معتقد لعظمته إلى فعله وَسَلِّمُوا . ولما كان المراد بكل من الصلاة والسّلام إظهار الشرف ، وكان السّلام أظهر معنى في ذلك ، وكان تحيته عند اللقاء واجبا في التشهد بلا خلاف ، ودالّا على الإذعان لجميع أوامره الذي لا يحصل الإيمان إلا به ، وهو من المسلم نفسه ، وأما الصلاة فإنها يطلبها المصلي من اللّه ، أكدهما به فقال : تَسْلِيماً * أي فأظهروا شرفه بكل ما تصل قدرتكم إليه من حسن متابعته وكثرة الثناء الحسن عليه والانقياد لأمره في كل ما يأمر به ، ومنه الصلاة والسّلام عليه بألسنتكم على نحو ما علمكم في التشهد وغيره مما ورد في الأحاديث عن أبي سعيد الخدري « 1 » وكعب بن عجرة « 2 » وغيرهما رضي اللّه عنهم بيان التقاء الصلاة والسّلام في إظهار الشرف فإن الصلاة - كما قال في القاموس - الدعاء والرحمة والاستغفار وحسن الثناء من اللّه عز وجل وعبادة فيها ركوع وسجود - انتهى . والسّلام هو التحية والتحية - كما قال البيضاوي في تفسير سورة النساء - في الأصل مصدر حياك اللّه على الإخبار من الحياة ، ثم استعمل للحكم والدعاء بذلك ، ثم قيل لكل دعاء ، فغلب في السّلام ، وفي القاموس : التحية : السّلام والبقاء والملك ، وحياك اللّه : أبقاك أو ملكلك ، وقال الإمام أبو عبد اللّه القزاز في جامعه : السّلام اسم من أسماء اللّه ، والسّلام ههنا بمعنى السلامة ، كما يقال الرضاع والرضاعة ، واللذاذ واللذاذة ، قالوا : ومعنى قول القائل لصاحبه : سلام عليك أي قد سلمت مني لا أنالك بيد ولا لسان ، وقيل : معناه السلامة من اللّه عليكم ، وقيل : هو الرحمة ، وقيل : الأمان ، والسلامة هي النجاة من الآفات - انتهى . فقد ظهر أن معنى الكل كما ترى ينظر إلى إظهار الشرف نظر الملزوم إلى اللازم ، ولذلك فسر البيضاوي يصلون بقوله : يعتنون بإظهار شرفه وتعظيم شأنه ، وسلموا بقوله : قولوا السّلام عليك ، أو انقادوا لأوامره ، فلما تآخيا في هذا المعنى ، وكان هو المراد أكد بلفظ السّلام تحصيلا لتمام المقصود بدلالته على الانقياد ، فهو مؤكد لصلوا بمعناه ولسلموا بلفظه ، استعمالا للشيء في حقيقته ومجازه كما هو مذهب إمامنا الشافعي رضي اللّه عنه ، ومثل بآية النساء لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى [ النساء : 43 ] وبقوله : أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ [ النساء : 43 ،
--> ( 1 ) حديث أبي سعيد أخرجه البخاري 4798 و 6358 وأحمد 3 / 47 . ( 2 ) حديث كعب بن عجرة أخرجه البخاري 4797 .